حسن الأمين

201

مستدركات أعيان الشيعة

مقدمة كتابه « الأسفار » ( 1 ) يحكم على الجهلة الذين « لم يرتق فكرهم عن هذه الهياكل المظلمة ودياجيرها » ان هؤلاء الأشخاص في عدائهم للعرفان والفلسفة اللذين لم يفهموهما ينفون حتى أي نوع من أنواع فلسفة العلوم الدينية القديمة ، رغم أن هذا يؤدي إلى أن لا يفهم شيء من الأسرار الإلهية التي شرحها الأنبياء بصور من الرمز والتمثيل . أنهم يقولون أن فلاسفة العرفان سقطوا في شبكة أوهامهم الإلهية . وفي رسالته « الأصول الثلاثة » ( سه أصل ) يخاطب ملا صدرا أحد هؤلاء الجهلة بحرارة مجللة قوية قائلا : « ألا تفكر أن من الممكن أن يكون ثمة مغرور بالله مثلك ؟ لو كان كل علم كما قد علمت أو كان يجب أن يؤخذ عن طريق النقل والمشيخة ، فلم يذم الحق تعالى في عدة مواضع من القرآن أولئك الذين يقلدون مشايخهم وآباءهم في المعتقدات ويعولون عليهم في الأصول الدينية ؟ لئن كان يجب في كل علم أن يتعلم بالطريق المتعارف عن أستاذ ، فمن أي معلم بشري بالطريق المعهود تلقى أمير المؤمنين ع ما أخبر عنه من علمه بقوله : » لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ؟ « ( 2 ) إذا فملا صدرا يذكر المتن نفسه الذي ذكره السيد حيدر الآملي منذ ثلاثة قرون ( 3 ) والعرفاء يعتنقون المعنى الذي تتضمنه أبيات للإمام الرابع زين العابدين ( ع ) ( المتوفى سنة 895 م ) يقول فيها ما مضمونه : « انني أخفي جواهر علمي خشية أن يرى الحقيقة جاهل فيرفسنا بقدمه . . يا رب ، لو كنت أظهرت واحدة من لآلئ معرفتي ، لكانوا قالوا لي : انك لعابد صنم ، ولو جد مسلمون يجوزون اهراق دمي ، فما يعرض لهم من أجمل الحقائق الإنسانية يعدونه منفرا مقيتا » . إذا فمن توفقه العناية الإلهية لادراك الأسرار الخفية في الرسالة النبوية معرض لخطر الرجم من قبل الجهلة الغاضبين . ترى ، هل ثمة حاجة لتعمق أكثر في تحري علة هذا الوضع المختل المؤسف ومعرفة أسراره ؟ هل ثمة تعليل آخر لأن أئمة الشيعة ( ع ) لم يكن حولهم قط أكثر من جمع قليل يعد على الأصابع من الأفذاذ والخلص ؟ . فبناء على هذا ، ليس من الصعب على ملا صدرا أن يوضح أن هذا العلم الذي يجعل الإنسان حذرا وعلى خوف من عداوة الناس وحتى عداوة العلماء القشريين ، ليس جدلا ولا طبا ولا نجوما ولا هندسة ولا طبيعيات . أن ما شرحه مفسرو الوجه الظاهري من أمثال الزمخشري وسواه ، ليس هو إطلاقا علم القرآن الحقيقي ومعرفة الوحي الإلهي معرفة حقيقية . ان علم القرآن الحقيقي أمر آخر ( 4 ) هو الذي يجعل الفلسفة فلسفة مبنية على الوحي . ولكي يري ملا صدرا الصراط المستقيم الذي هو بعيد بنفس المقدار عن التعبير الظاهري لوجه الشريعة وعن الأسلوب النافي للفلسفة الاستدلالية الصرف يفسر حالة التفكير الفلسفي في مقدمة شرحه للكتاب الثالث من أصول الكافي للكليني ( كتاب الحجة ، في الامام والإمامة ) ( 5 ) كما يلي : ان الوحي القرآني نور تمكن به الرؤية مع هذا النور إذا لم ترفع تعاليم الأئمة غطاء اللفظ الظاهري الذي يجعل هذا النور مستورا . أن التفكير الفلسفي عين تشاهد النور وتراه ، ولكي يتحقق فعل الرؤية فالنور ضرورة لازمة ، لكن من الواجب كذلك وجود عين يمكنها أن تنظر . فإذا حجبنا هذا النور فلن ترى العين شيئا بعد ، وإذا تعمدنا أيضا إغماض العين - كما هو حال القشريين والناظرين إلى الظاهر فقط - فكذلك لن يرى بعد أي شيء ، بل إن الظلمة ستكون المنتصرة في الحالين ، وما حال ذي العين الواحدة كذلك أفضل بكثير . أما على العكس من ذاك ، إذا اتحد التعقل الفلسفي مع الوحي السماوي ، فان ذلك سيكون نورا على نور ، كما تقول آية النور المباركة ، وجملات هذه الآية إشارة كما نعلم للمعصومين الأربعة عشر . لذا يقول ملا صدرا أن التشيع وحده هو الذي يستطيع في الإسلام أن يقيم هذا التوافق والانسجام بين الوحي الإلهي والتعقل الفلسفي ، لأن التشيع يأخذ العلم والحكمة عارية من مشكاة النبوة والولاية ، ولأن الفلسفة الشيعية فلسفة مبنية في الأساس على الوحي . اننا لا نشبه هذا الوضع بصورة عابرة بأوضاع كانت في أوساط أخرى . لا ضرورة هنا ( أي في التشيع ) لاجتياز العقبة المتمثلة في الاختلاف بين الحقائق التاريخية الممكنة الوقوع والحقائق العقلانية الواجبة ، كذلك يطرح هنا هذا السؤال : كيف تكون الحقيقة تاريخية وكيف يكون التاريخ حقيقيا ( هذه مسألة « الاعتقاد والمعرفة » التي واجهها جميع فلاسفة المسيحية من أريجن حتى لايبنيتز وهيكل ) ، كما أن التشيع لم يعرف المقارنة والتباين بين حقائق المعتقدات الدينية التي تعرفها كنيسة من الكنائس والحقائق الفلسفية التي هي نتاج جهد شخصي ، بل أن نور الكتاب السماوي الذي يتجلى بفضل هداية الأئمة وإرشادهم يشع مباشرة وبدون أية واسطة على المشاهدة الداخلية للمؤمن . ان الفلسفة والكلام ( الثيولوجيا ) لا يتقابلان هنا في صفين متضادين كقوتين عظيمتين كانتا قد تشكلتا قبلا ، قوتين تتولد إحداهما من الفرد ، وتنبع الأخرى من الكنيسة . لقد عد مفكرونا الشرقيون هذا الموجود النوراني السماوي الذي سماه الفلاسفة العقل الفعال ( نوس بويتيكوس Nous - Poietikos عند اليونانيين ) هذا العقل السماوي الذي هو منشا معرفتنا عدوه والروح القدس شيئا واحدا . ان هذا الأمر لا يؤدي فقط إلى إعطاء الروح وجها استدلاليا ، بل ينتهي إلى أن يعد ملك العلم وملك الوحي شيئا واحدا ( 6 ) ، ولذا يبعد هذا الرأي كثيرا عن عقيدة « الحقيقتين » التي ظهرت في المدرسة الابن رشدية اللاتينية . في الفلسفة « الشرقية » يتحد النوران ويتداخلان ، ومن امتزاجهما تتولد الحكمة الإلهية ، الحكمة التي هي علم لدني ، وقد كان أئمة الشيعة أول من وضع لها اسم : المعرفة القلبية : ان التشيع وبخاصة التشيع الجامع ، هو في نظر ملا صدرا هذه الحكمة نفسها . والآن نستطيع أن نفهم لم أن هذا المفكر الذي كان العرفان الشيعي قاعدته وأساس تفكيره هو بصورة عفوية إشراقي أيضا . ما ذا كانت في الواقع تعليمات السهروردي ؟ كانت ان تجربة عرفانية دون قاعدة فلسفية سابقة لا تخلو من خطر الانتهاء إلى الخطا ، وعلى العكس من ذاك الفلسفة التي لا تسعى ولا تنتهي إلى كشف معنوي شخصي فإنها ، كما ذكرنا قبلا ، ليست أكثر من عبث عقيم ، ولذا نرى أن كتاب السهروردي الكبير « حكمة الإشراق » يبدأ بإصلاح المنطق وينتهي بنوع من « لحظة وجد وسرور » . ان ملا صدرا بدوره يجعل المعنوية الاشراقية في شرح أصول الكافي ( 7 ) برزخا

--> ( 1 ) الأسفار ، الطبعة المتقدم ذكرها ، ص 6 . ( 2 ) رسالة الأصول الثلاثة ، طبع الدكتور السيد حسين نصر ، بند 120 ، ص 82 - 83 . ( 3 ) راجع بشأن هذا المتن الذي ذكره السيد حيدر الآملي مقالتنا : . LE Combat spirituel du Shiisme " Errnos - Zahrbuel XXX Zurich ، ( 4 ) رسالة الأصول الثلاثة ، البند 22 ، ص 83 - 84 . ( 5 ) شرح أصول الكافي ، طهران ، الطبعة الحجرية ، ص 437 . ( 6 ) فليراجع شرح أول حديث ، الفصل الثاني من كتاب الحجة ( في طبقات الرسل والأنبياء والأئمة ) شرح أصول الكافي ، ص 445 فما بعد . ( 7 ) شرح أصول الكافي ، ص 446 ، بعد ان يشرح ملا صدرا شرحا مفصلا مسألة المعرفة في نظر أئمة الشيعة ( ع ) ويبين مراتب الإلهام المختلفة ، يشرع في تفصيل طرق الصوفية ويقول : « وأما أهل النظر والاعتبار فلا ينكرون وجود هذا الطريق وإمكان الوصول من خلاله إلى الهدف في الموارد النادرة ، لأن أكثر أحوال الأنبياء ( ص ) والأولياء ( ع ) كانت عن هذا الطريق ، الا أنهم يرون الأمر متعذرا خارج هذه الموارد ، لأن نتيجته تتحقق ببطء ، كما أن اجتماع شرائطه مستبعد » . ثم يقول ملا صدرا ختاما أن « السالك إلى الله يمزج بين طريقتين ، إذ لا يكون صفاؤه الباطني خلوا من التفكير ، ولا يكون فكره مجردا من الصفاء ، بل تكون طريقته برزخا بين الطريقتين ، كما هي طريقة الحكماء الإشراقيين وأسلوبهم » . هذا المعتقد تكرار للرأي الذي ذكره السهروردي في مقدمة « حكمة الإشراق » . راجع طبعتنا لهذا الكتاب في : oeucre Philosophiques et Mystiques de Sohrawardi طهران 1331 ( 1952 ) ص 10 - 13 .